أحمد أمين
98
كتاب الأخلاق
ولا بد لسعادة الإنسان في هذه الحياة من خضوعه للقوانين التي ذكرنا جميعها ، فلو حارب القوانين الطبيعية لهزم أمامها ، ولو خالف القوانين الوضعية والأخلاقية لعاش عيشة سيئة ؛ لأن هذه القوانين إنما وضعت لإسعادة ، ذلك لأن الإنسان في هذه الحياة مضطر إلى الاجتماع ، ولا يمكنه أن يعيش وحده ، ولا بد أن تكون له علاقات بمجتمعات كثيرة من أسرة ومدرسة وبلدة وأمة وكل إنسان في هذه المجتمعات له حقوق وعليه واجبات ، وكثيرا ما يدفع حب الإنسان نفسه أن التعدي على حقوق الآخرين أو التقصير في أداء واجبه ، فكان الناس في حاجة إلى قوانين تبين لهم حقوقهم وواجباتهم وتقف كلا عند حده ، وهذا هو عمل القانون الوضعي والأخلاقي ، ولولا هذا الاجتماع وعلاقة الناس بعضهم ببعض ما احتجنا إلى قوانين ، ولا كانت جريمة ولا عقوبة ولا أمر ولا نهي . نظرية إجمالية في تاريخ البحث الأخلاقي لعل أول باحث في الأخلاق بحثا علميا اليونان ، ولم يعر فلاسفة اليونان الأولون الأخلاق التفاتا كبيرا ، بل كانت جل أبحاثهم تدور حول الطبيعيات ، حتى جاء السوفسطائيون ( 450 - 400 ق . م ) ( معنى السوفسطائي في اللغة اليونانية الحكيم ) ، وهم طائفة من الفلاسفة كانوا معلمين متفرقين في البلاد ، مختلفين فيما بينهم في الآراء ، ولكن يجمعهم غرض واحد ، وهو إعداد شبان اليونان ليكونوا وطنيين صالحين أحرارا ، يعلمون ما يجب عليهم لوطنهم ، وقد أداهم النظر في هذه الواجبات إلى النظر في أصول الأخلاق ، واستتبع ذلك نقد بعض التقاليد القديمة والتعاليم التي جرى عليها سلفهم ، فأثار ذلك غضب « المحافظين » ، وجاء أفلاطون بعد فعارضهم وانتقد متأخريهم ، وكانوا يتهمون بلعبهم بالألفاظ لقلب الحقائق حتى اشتقوا من اسمهم « سفسطة » وعنوا بها المغالطة في البحث والجدل . من أجل ذلك شوه اسمهم مع أنهم ربما كانوا أبعد معاصريهم نظرا ، وأشدهم اجتهادا في إيقاظ العقول وتحريرها من الأوهام . وجاء « سقراط » ( 469 - 399 ق . م ) فوجه همه إلى البحث في الأخلاق وفي علاقة الناس بعضهم ببعض ، ولم يهتم بما اهتم به الفلاسفة قبله من البحث في